تقرير بحث السيد محمد باقر الصدر لسيد كاظم الحائري

17

مباحث الأصول ( القسم الأول )

أمّا ما يكون مفاده إثبات الموضوع ، فإخراجه عن التعريف واضح ، وذلك بأن يقصد من استنباط الحكم استنباط الحكم الكلّيّ الإلهيّ ، بينما هذه القواعد مضمونها إثبات الموضوع . وأمّا ما يكون مفاده إثبات الحكم ، فأيضاً يكون خارجاً عن التعريف ؛ وذلك لأنّ المفروض كون علم الأصول علماً بقاعدة تستنبط منها أحكام أخرى من قبيل حجّيّة خبر الواحد التي يستنبط منها وجوب الشيء الفلانيّ ، وحرمة الشيء الفلانيّ ، وهكذا ، وأمّا قاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده مثلًا فليست قاعدة تستنبط منها أحكام ، وإنّما هي بنفسها حكم واحد وجعل واحد له مصاديق ، فالحكم بالضمان في كلّ عقد من العقود الفاسدة التي يكون في صحيحها ضمان هو مصداق من مصاديق هذا الجعل الواحد ، وليس حكماً مستقلّاً استنبط من تلك القاعدة . وهكذا الكلام في نفي الضرر أو الحرج ، فإنّه جعل واحد له مصاديق بعدد مصاديق الأعمال الضرريّة أو الحرجيّة من قبيل الصوم عند المرض ، والوضوء عند المرض « 1 » . نعم نستثني من ذلك مورداً واحداً وهو حينما يكون نفي الحرج

--> ( 1 ) لا يخفى : أنّه لو فرض هذا جعلًا واحداً ، واخرج من علم الأصول بهذه النكتة ، فدليل البراءة أيضاً يدلّ على جعل واحد ، ويلزم خروج البراءة عن علم الأصول . ولو قيل : إنّ دليل البراءة تستنبط منه جعول عديدة ؛ لأنّه اقتطاع ظاهريّ من الجعول الإلزاميّة العديدة . وبكلمة أخرى : إنّ نفي الإلزام يتعدّد بتعدّد الجعول المنفيّة ، قلنا : إنّ نفي الضرر والحرج أيضاً اقتطاع واستثناءٌ واقعيّ من أحكام عديدة ، فكلّ حكم يصبح ضرريّاً أو حرجيّاً ينفى بذلك ، فيتعدّد ذلك بتعدّد المستثنى منه . وقد ذكر استاذنا الشهيد قدس سره في أوّل بحث حجّيّة خبر الواحد الذي بحثه في زمان سابق - من الدورة السابقة ( ونحن حذفناه هناك فيما طبعناه من التقرير ) في وجه خروج قاعدة نفي الضرر : أنّها - في الحقيقة - ليست قاعدة تستنبط منها الأحكام ، بل هي تجميع أحكام إلهيّة واقعيّة كثيرة جمعها الدليل في عبارة واحدة . أقول : لو كان هذا هو الوجه لخروج قاعدة نفي الضرر عن علم الأصول ، للزم أيضاً خروج البراءة الشرعيّة عن علم الأصول ، فهي أيضاً ليست قاعدة تستنبط منها الجعول ، وإنّما هي تجميع لعدد من النفي الظاهريّ والاقتطاع الظاهريّ المتعدّد بتعدّد المقتطع منه . والوجه الصحيح في خروج قاعدة نفي الضرر عن علم الأصول ، والذي به تختلف عن البراءة ما ذكره رحمه الله أيضاً في أوّل بحث خبر الواحد ( وقد حذفناه هناك ) وأعاده في بحث الاستصحاب من أنّ قاعدة نفي الضرر قد اخذت فيها مادّة معيّنة من موادّ الفقه ، وسيأتي في التعريف المختار : أنّ القواعد الاصوليّة لا تؤخذ فيها مادّة معيّنة من موادّ الفقه . ولا نفسّر مادّة الفقه بما سيأتي هنا من استاذنا الشهيد قدس سره في القيد الأوّل من قيود التعريف المختار من تفسيرها بفعل معيّن من أفعال المكلّفين كالصلاة والصوم حتّى يقال : إنّه لم توجد في قاعدة نفي الضرر مادّة معيّنة ، بل نفسّرها بالتفسير الذي ذكره استاذنا رحمه الله في أوّل بحث الاستصحاب من أنّ مقصودنا بموادّ الفقه : كلّ عنوان أوّليّ أو ثانويّ متعلّق لحكم واقعيّ ، كالصعيد مثلًا الذي هو عنوان أوّليّ ، وكالضرر الذي هو عنوان ثانويّ